ابن الأثير
401
الكامل في التاريخ
يليه من البساتين والأنهار في يوم من أيّام الربيع ، فأعجبه ذلك ، فقال لوزيره : هل رأيت مثل هذا المنظر قطّ ؟ قال : لا لو كان يدوم . قال : فما الّذي يدوم ؟ قال : ما عند اللَّه في الآخرة . قال : فبم ينال ذلك ؟ قال : بتركك الدنيا وعبادة اللَّه . فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج هاربا لا يعلم به ، فأصبح النّاس فلم يروه . وكان ملكه إلى أن تركه وساح تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر ، من ذلك في أيّام يزدجرد خمس عشرة سنة ، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة . وأمّا علماء الفرس فإنّهم يقولون غير هذا ، وسيرد ذكره . ذكر ملك بهرام بن يزدجرد الأثيم لما ولد يزدجرد بهرام جور اختار لحضانته العرب ، فدعا بالمنذر بن النعمان واستحضنه بهرام وشرّفه وكرّمه وملّكه على العرب ، فسار به المنذر واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكيّة وآداب حسنة من بنات الأشراف ، منهنّ عربيّتان وعجميّة ، فأرضعنه ثلاث سنين . فلمّا بلغ خمس سنين أحضر له مؤدّبين فعلّموه الكتابة والرمي والفقه بطلب من بهرام بذلك ، وأحضر حكيما من حكماء الفرس فتعلّم ووعى كلّ ما علّمه بأدنى تعليم . فلمّا بلغ اثنتي عشرة سنة تعلّم كلّ ما أفيد وفاق معلّميه ، فأمرهم المنذر بالانصراف ، وأحضر معلّمي الفروسيّة فأخذ عنهم كلّ ما ينبغي له ، ثمّ صرفهم ، ثمّ أمر فأحضرت خيل العرب للسباق فسبقها فرس أشقر للمنذر ، وأقبل باقي الخيل بداد [ بداد ] ، فقرّب المنذر الفرس بيده إليه ، فقبله وركبه 26 *